سورة الشورى هي السورة الثانية والأربعون بحسب ترتيب المصحف العثماني، والثانية والستون بحسب ترتيب النزول، نزلت بعد سورة الكهف وقبل سورة إبراهيم، وهي سورة مكية، وعدد آياتها ثلاث وخمسون آية. 

تسميتها

اشتهرت تسميتها عند السلف (حم عسق)، وكذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من "جامعه"، والترمذي في "جامعه"، وكذلك سميت في عدة من كتب التفسير، وكثير من المصاحف. وتسمى (سورة الشورى) بالألف واللام، وربما قالوا: (سورة شورى) بدون ألف ولام، حكاية للفظ القرآن {وأمرهم شورى بينهم} (الشورى:38). وتسمى (سورة عسق) بدون لفظ (حم) لقصد الاختصار. قال ابن عاشور: "ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في تسميتها". 

ووجه تسميتها بـ (الشورى) تضمنها آية تصف المؤمنين أن أمرهم شورى بينهم، قال سبحانه: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} (الشورى:38).


مقاصد السورة

المتأمل في سور الحواميم السبع -وهذه السورة منهم- يظهر له أنها ذات هدف رئيس، وهو الحديث عن القرآن، وموقف الكافرين إبان نزوله منه، والحديث عن مُنَزِّل القرآن، وموقف الكافرين منه، والحديث عن الرسول مُبَلِّغ القرآن، وموقف مكذبيه منه، والحديث عن الجزاء المعجَّل في الدنيا، والمؤجَّل إلى يوم الدين، والإنذار بهما، وعرض مشاهد من يوم الدين، وترغيب المؤمنين بالثواب العظيم، والحديث عن الإنسان وصفات معظم أفراده، واقتران كل ذلك بذكر آيات الله الكونية، وبيان حكمة الله في شؤون عباده.

وقد لخص سيد قطب رحمه الله مقاصد هذه السورة بقوله: "هذه السورة تعالج قضية العقيدة كسائر السور المكية، ولكنها تركز بصفة خاصة على حقيقة الوحي والرسالة، حتى ليصح أن يقال: إنها هي المحور الرئيسي الذي ترتبط به السورة كلها، وتأتي سائر الموضوعات فيها تبعاً لتلك الحقيقة الرئيسية فيها. ومن وراء التركيز على حقيقة الوحي والرسالة في سياق السورة كله، يبرز هدف خاص لعرضها على هذا النحو وفي هذا التتابع. هذا الهدف هو تعيين القيادة الجديدة للمبشَّرين ممثلة في الرسالة الأخيرة، ورسولها، والأمة المسلمة التي تتبع نهجه الإلهي الثابت القويم. السورة تتوسع في الحديث عن حقيقة الوحدانية، وتعرضها من جوانب متعددة، كما أنها تتحدث عن حقيقة القيامة والإيمان بها، ويأتي ذكر الآخرة ومشاهدها في مواضع متعددة منها. وكذلك تتناول عرض صفات المؤمنين وأخلاقهم التي يمتازون بها. كما تلم بقضية الرزق: بسطه وقبضه، وصفة الإنسان في السراء والضراء".

ويمكن تفصيل مقاصد السورة ومراميها وفق التالي:

* الإشارة إلى تحدي الطاعنين في أن القرآن وحي من الله بأن يأتوا بكلام مثله، فهذا التحدي لا تخلو عنه السور المـُفْتَتَحة بالحروف الهجائية المقطعة، وهذه السورة منهم؛ حيث تضمنت فاتحتها خمسة حروف مقطعة. 

* بيان أن الوحي إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ما هو إلا كالوحي إلى الرسل من قبله؛ لينذر أهل مكة ومن حولها بيوم الحساب. 

* بيان أن الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض لا تُعَارَض قدرتُه، ولا يُشك في حكمته، وقد خضعت له العوالم العليا ومن فيها، وهو فاطر المخلوقات؛ فهو يجتبي من يشاء لرسالته، فلا بِدْع أن يشرع للأمة المحمدية من الدين مثل ما شرع لمن قبله من الرسل، وما أرسل الله الرسل إلا من البشر يوحي إليهم، فلم يسبق أن أرسل ملائكة لمخاطبة عموم الناس مباشرة. 

* بيان وحدة الرسالات الربانية في أصولها الاعتقادية، والأخلاقية، وفي أصول وقواعد المعاملات. ومطالبة الناس بأن يقيموا الدين، ولا يتفرقوا فيه. 

* أن المشركين بالله لا حجة لهم إلا تقليد أئمة الكفر، الذين شرعوا لهم الإشراك، وألقوا إليهم الشبهات. والتحذير من اقتراب الساعة ويوم الجزاء، وما سيلقى المشركون يوم الحساب من العذاب، وقرن ذلك بالترغيب فيما سيلقاه المؤمنون من الكرامة، وأنهم لو تدبروا لعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأتي عن الله من تلقاء نفسه؛ لأن الله لا يقره على أن يقول عليه ما لم يقله. 

* ذِكْر دلائل الوحدانية، وما هو من تلك الآيات نعمة على الناس، مثل دليل السير في البحر، وما أوتيه الناس من نِعَم الدنيا. 

* تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله هو متولي جزاء المكذبين، وما على الرسول صلى الله عليه وسلم من حسابهم من شيء، فما عليه إلا الاستمرار على دعوتهم إلى الحق القويم.
 
* التنبيه على أنه صلى الله عليه وسلم لا يبتغي من وراء دعوته ونصحه إياهم جزاء ولا شكوراً، وإنما يبتغي هدايتهم إلى الحق المبين، ودلالتهم إلى الصراط المستقيم. 

* بيان حكمة الله سبحانه في عدم بسط الرزق لعباده، وأنه هو الذي يهيئ للناس أسباب أرزاقهم، على وفق حكمته، وأن سبحانه هو وحده الذي يتولى أمور عباده، ويتدبر شؤونهم. 

* التزهيد بمتاعات الحياة الدنيا وزخرفها، والترغيب بما عند الله في الآخرة من النعيم المقيم. وتوجيه الناس إلى الاستجابة لربهم، وتحذيرهم من يوم الدين الذي لا مرد له، ولا ملجأ فيه يلجأ إليه من لم يجب داعي الله، ويلزم هديه، ويعمل بشرعه. 

* تذكير المشركين والمعرضين بنعم الله عليهم، وتحذيرهم من التسبب في قطعها بسوء أعمالهم، وتحريضهم على السعي في أسباب الفوز في الآخرة، والمبادرة إلى ذلك قبل فوات الأوان. 

* التنويه بفوز المؤمنين المتوكلين، والتذكير بجلائل أعمالهم، وتجنبهم التعرض لغضب الله عليهم. 

* التنبيه على آيات كثيرة من آيات انفراده تعالى بالخلق، والتصرف المقتضي انفراده بالإلهية؛ إبطالاً للشرك. 

* ألمعت السورة إلى المعجزة الأمية؛ بأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءهم بهدي عظيم من الدين، وقد علموا أنه لم يكن ممن تصدى لذلك في سابق عمره، وذلك أكبر دليل على أن ما جاء به أمر قد أوحي إليه به، فعليهم أن يهتدوا بهديه، فمن اهتدى بهديه فقد وافق مراد الله. 

* ختم السورة بكلمة جامعة تتضمن تفويض الأمور كلها إلى الله سبحانه، وانتظار حكمه فيما يمضيه من أمور، وهي كلمة {ألا إلى الله تصير الأمور} (الشورى:53).